عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

546

اللباب في علوم الكتاب

استمرارهم على الكفر ، وإصرارهم عليه ، وقوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إشارة إلى نقض العهد . قال الكلبيّ ومقاتل : يعني يهود بني قريظة ، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه « 1 » . الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ أي : عاهدنهم . قيل : عاهدت بعضهم ، وقيل : أدخل « من » لأن معناه : أخذت منهم العهد . ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . قال ابن عباس « هم بنو قريظة ، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأعانوا المشركين على قتال النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ، ثم قالوا : نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانيا ، فنقضوا العهد ومالوا مع الكفار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الخندق ، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم » « 2 » ، « وَهُمْ لا يَتَّقُونَ » لا يخافون اللّه في نقض العهد . قوله « الّذين عاهدتّ » يجوز فيه أوجه : أحدها : الرّفع على البدل من الموصول قبله ، أو على النّعت له ، أو على عطف البيان ، أو النصب على الذّمّ ، أو الرفع على الابتداء ، والخبر قوله « فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ » بمعنى : من تعاهد منهم ، أي : من الكفار ثم ينقضون عهدهم ، فإن ظفرت بهم فاصنع كيت وكيت ، فدخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط ، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رحمه اللّه تعالى . و « منهم » يجوز أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف ، إذ التقدير : الذين عاهدتهم ، أي : كائنين منهم ، ف « من » للتبعيض . وقيل : هي بمعنى : « مع » . وقيل : الكلام محمول على معناه ، أي : أخذت منهم العهد . وقيل : زائدة أي : عاهدتهم . والأقوال الثلاثة ضعيفة ، والأول أصحّ . فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ « 3 » . قال ابن عباس « فنكل بهم من خلفهم » « 3 » . وقال سعيد بن جبير : « أنذر بهم من خلفهم » « 4 » . العامّة على الدال المهملة في « فشرّد » . وأصل التّشريد : التّطريد والتفريق والتبديد . وقيل : التفريق مع الاضطراب ، والمعنى : فرق بهم جمع كل ناقض ، أي : افعل

--> ( 1 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 257 ) . ( 2 ) انظر : « معالم التنزيل » ( 2 / 257 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 271 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 257 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 271 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 257 ) .